البلح والسياسة .. في مصر الحديثة

 
 

ثارت ضجة مؤخرا في مصر بعد أن قامت الرقابة بحذف أغنية "يا بلح زغلول" التراثية الشهيرة ، من مسرحية "سيد درويش" على مسرح البالون في القاهرة ، الأمر الذي أعاد الحديث عن قصة "البلح" المستفز للساسة والسياسيين في مصر قديما وحديثا .
وكان الانجليز المستعمرون لمصر في مطلع القرن العشرين يعانون من الثورة الشعبية التي حركتها مطالب مجموعة من قادة ورموز مصر سياسيا وثقافيا ومحامين وصحفيين وغيرهم ، ولما كان الشعب والنخبة ـ أو القطاع الأوسع فيها ـ قد التف حول الزعيم "سعد زغلول" كرمز لهذا النضال وتلك الثورة ، فقد أصدر الانجليز قرارا بمنع ذكر اسم "سعد زغلول" في أي صحيفة أو مسيرة أو مؤتمر ، بهدف إماتة ذكره ، وإجبار الناس على نسيانه ، ووقف زخم الحراك الشعبي الذي فجره .
فكان أن لجأ "فنان الشعب" الشيخ سيد درويش مع الأستاذ بديع خيري إلى حيلة رائعة ، بتأليف وتلحين أغنية "يا بلح زغلول" ، وجعلوها إسقاطا سياسيا على شخصية سعد زغلول وإعلان التأييد له ، والتأكيد على أن مصر لم تنساه ، وأنها تشتاق إليه وتنتظر عودته لتحريرها ، فكانت الأغنية التي مطلعها :
يا بلح زغلول
يا حليوة يا بلح
يا بلح زغلول
يا زرع بلدي .. عليك يا وعدي
يا بخت سعدي .. زغلول يا بلح
عليــــــك أنــادي في كل وادي
قصدي ومرادي زغلول يا بلح
إلى أن تقول الأغنية :
يا روح بلادك ليه طال بعادك
تعا صون بلادك .. زغلول يا بلح
سعد وقاللي ربي نصـــرني
وراجع لوطني زغلول يا بلح

الأغنية تحولت إلى "أيقونة" في التراث الفني والسياسي في مصر ، وغناها أكثر من مطرب وأكثر من فرقة وأكثر من مسرحية على مدار مائة عام تقريبا ، وفي ظل عهود سياسية متنوعة .
هذا الشهر قامت فرقة مسرحية بأداء تلك الأغنية في مسرحية تقدمها على مسرح البالون عن "سيد درويش" ، ولا يمكن أن تكون مسرحية عن سيد درويش ولا تكون فيها أغنية "يا بلح زغلول" .
إلا أن المفاجأة أن الرقابة قررت حذف الأغنية من المسرحية ، لأسباب غير معلنة ، خاصة وأن كلمات الأغنية ليس فيها أي ألفاظ خادشة ، ولا تخرج عن اللياقة ، كما أنها جزء من ضمير مصر الثوري والتحرري ضد الاستعمار ، إضافة إلى أنها تراث فني توارثته الأجيال ، وبالتالي فتح القرار المجال أمام تحليلات متعددة ، كان أهمها قلق الرقابة من "الإسقاط" على الوضع السياسي الحالي ، خاصة بعد أن انتشر بين قطاع الشباب إطلاق اسم "بلحة" على الرئيس عبد الفتاح السيسي .

وأنا شخصيا لا أعرف معنى هذا الربط ، ولماذا أطلقوا هذا اللقب على السيسي ، ولماذا ليس أي فاكهة أخرى ، لماذا "بلح وبلحة" ، لكن هذا ما جرى ، وقد قدم فنانون شبان أغنية شهيرة بهذا اللقب ، تم ملاحقة أصحابها أمنيا ، فهرب المطرب خارج مصر ، واعتقل مخرج الأغنية ومات في السجن من الإهمال الطبي .
وفي اعتقادي أن قرار الرقابة حذف الأغنية خشية الإسقاط على الرئيس الحالي ، هو تدعيم لحملة الإسقاط ، وليس صدا لها ، وترويج للتعبير الذي تحاول أن تحاربه أو تمنعه ، ولو تجاهلته الرقابة ربما ما انتبه أحد له من الأساس .
ولا شك أن القلق المبالغ فيه من الرقابة والتزيد في حماية صاحب الكرسي أدى نتيجة عكسية ، خاصة وأن معظم التحليلات تكاد تجمع على أن منع الأغنية كان بسبب ذكر "البلح" فيها .

مصر اليوم ضاق عقلها ، وضاق وعيها، وضاق ضميرها ، وضاق خلقها ، مصر اليوم يختنق فيها كل شيء ، مع الأسف .
أخر تعديل: 2020-08-27 | 09:03 ص