هكذا ارتبطت بالحركة الشيوعية المصرية .. سيرة ذاتية

 
 
بدأ ارتباطي التنظيمي بالحركة الشيوعية المصرية عند منتصف سبعينيات القرن العشرين حيث توزعت أنشطتي بين المكاتب النوعية للتثقيف والإعلام والعلاقات الخارجية من جهة وبين العمل الجماهيري ضمن لجان مناطق الجامعة والنقابات المهنية والعاصمة من جهة أخرى، إلى جانب مشاركاتي في إدارة بعض الحملات الانتخابية البرلمانية والمحلية لرفاق القاهرة والجيزة والمنوفية والشرقية بالإضافة إلى مشاركاتي في تأسيس وقيادة بعض المنظمات الموالية مثل لجنة مقاومة التطبيع مع إسرائيل ولجنة رعاية معتقلي الرأي السياسي، دون أن تتوقف عضويتي بصفتي الشيوعية في مجالس إدارات بعض المؤسسات المجتمعية الهامة كاتحاد الطلاب وجمعية خريجي كليات الاقتصاد والعلوم السياسية وأسرة وادي النيل للإخاء المصري السوداني ونقابة التجاريين وغيرها، واستمرت عضويتي داخل الحركة الشيوعية لمدة خمسة عشر عاماً انتقلتُ خلالها بين تنظيماتها الأربعة "8 يناير" و"العمال" و"الانتصار" و"التجمع" كما تصادف أن كل واحدة من زوجاتي الأربع المتعاقبات كانت تنتمي إلى أحد التنظيمات الأربعة المذكورة، مما سمح لي بالرؤية المباشرة متعددة الزوايا لكافة ممارسات الحركة في مرحلتها الثالثة (1975- 1995) إلى جانب اطلاعي عام 1981 خلال هروبي من الاعتقال على الأرشيف التاريخي الموروث عن الحركة في مرحلتها الأولى (1915- 1935) الذي أبلغتني السكرتارية المركزية للتنظيم بوجوده داخل صندوق خشبي ضخم يقبع في قبو سري بمكان اختبائي التابع لأحد قيادات التنظيم، حيث كلفتني السكرتارية المركزية لأسباب لا أعلمها حتى الآن بإعادة توزيع محتويات ذلك الأرشيف على حقائب بلاستيكية صغيرة ثم إلقائها في قاع النيل المجاور تباعاً، وهو التكليف الذي جرى تنفيذه بالفعل مع تعديل طفيف تمثل في قراءتي الفاحصة المدققة لكل ما احتواه الصندوق الأرشيفي من أوراق قبل إعدامها .

 أما المرحلة الثانية للحركة (1945- 1965) فقد حدثني كثيراً ولسنوات طويلة عن خباياها الحقيقية أبي الرفيق "إسماعيل المهدوي" وأمي الرفيقة "زينات الصباغ" بالإضافة إلى رفاقهما المصريين الأمناء مثل "أبوسيف يوسف" و"فؤاد مرسي" و"طاهر عبدالحكيم" و"إبراهيم فتحي" و"نبيل الهلالي" وغيرهم، أما أول مساعد شخصي للرفيق "هنري كورييل" خلال شبابه في أربعينيات القرن العشرين وهو الرفيق السوداني "عبده دهب" فقد جاورني طوال النصف الأول من تسعينيات القرن العشرين أثناء عملي كمستشار إعلامي بالسفارة المصرية في السودان، واستمر حتى وفاته يجالسني بالمكتب والمنزل والنادي والمقهى ليفاجئني بما لا يعرفه غيره عن الخبايا الحقيقية لتلك المرحلة، وبينما كان عملي في مجال الإعلام الخارجي الدبلوماسي قد سمح لي بالالتقاء مع نظرائي الممثلين لمختلف حكومات العالم المؤيدة أو المعادية للشيوعية والذين كانت لديهم في الحالتين متابعات جيدة من زوايا مختلفة حول خبايا الحركة الشيوعية المصرية بمراحلها الثلاث، فإن عملي في مجال المعلومات السياسية قد سمح لي برؤية الواقع الحقيقي لتلك الحركة رغم الحرص المحلي والإقليمي والعالمي على إخفائه خلف العديد من السواتر السميكة والأقنعة الزائفة لتجميله أو تشويهه بدوافع انتهازية، لاسيما في ظل استمرار التضليل المعلوماتي الماكر الذي يمارسه الرفاق الشيوعيون المخادعون المختبئون خلف السواتر السميكة والأقنعة الزائفة لينشروا بمهارة حول أنفسهم وحول خصومهم أكاذيب يمكن تصديقها من قبل عوام المصريين البسطاء!!.

خلال ارتباطي التنظيمي بالحركة الشيوعية المصرية لمدة خمسة عشر عاماً منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين حتى أواخر ثمانينياته لم يكن تفسيري الشخصي لمعاناة هذه الحركة من إعادة إنتاج أزماتها عبر مراحلها الثلاث مريحاً لي رغم كونه قد أسعد الشيوعيين المحيطين بي، حيث قام على افتراض أن اختلاف ترتيب الأهمية النسبية لتحديات أي مرحلة في حينها بما تبعه من اختلاف ترتيب أولويات التعامل مع تلك التحديات على المحاور الوطنية والديمقراطية والاجتماعية هو الذي أنتج الانقسام الثلاثي المزمن، بين فريق يرى الأولوية للكفاح الوطني باعتبار أنه لا يمكن تحقيق الديمقراطية أو إقامة العدالة الاجتماعية بدون وطن، وفريق آخر يرى الأولوية للكفاح الديمقراطي باعتبار أن الآلية الأمثل لحماية الوطن وإقامة العدالة الاجتماعية هي الديمقراطية، وفريق ثالث يرى الأولوية للكفاح الاجتماعي استناداً إلى اعتبارين هما أنه لا يمكن حماية الوطن أو تحقيق الديمقراطية بدون العدالة الاجتماعية وأن الكفاح الوطني الديمقراطي ليس مسئولية الشيوعيين وحدهم بقدر ما هو مسئولية مشتركة تجمعهم مع الليبراليين والقوميين والإسلاميين، وقد قادني اقتناعي القلق بهذا التفسير الأكاديمي نحو تضييع خمسة عشر عاماً من حسن الظن الساذج بكل الشيوعيين المصريين وكأنهم جميعاً على قدم المساواة في أحلامهم النبيلة ودوافعهم المنزهة عن المصالح الضيقة، كما قادني إلى التعامل الودي المتكافئ بشكل مثالي مع كافة الرفاق المصريين في التنظيمات الأربعة حتى وهم يتصارعون بوضوح حول تلك المصالح الضيقة تحت الشعارات السياسية المخادعة، ثم اتضح لي لاحقاً أن اختلاف ترتيب أولويات التعامل مع تحديات أي مرحلة في حينها على المحاور الوطنية والديمقراطية والاجتماعية، كان ومازال وسيظل قائماً ومؤثراً بشكل فعلي في اختيارات واتجاهات الحركة الشيوعية المصرية لكنه لا يفسر انقسامها الثلاثي المزمن وبالتالي لا يبرر إعادة إنتاج أزماتها عبر مراحلها التاريخية المختلفة، فالحزب السياسي الحقيقي يستطيع التحرك على عدة محاور في الوقت ذاته مع تبديل أولوياتها حسب تطورات الأحداث المحيطة به فور وقوعها لاسيما وأنه لا يوجد تعارض مبدأي أو منفعي بين المحاور الثلاثة الوطني والديمقراطي والاجتماعي، فالمحور الوطني يتعلق بتوسيع نطاق السيادة واستقلال القرار في مواجهة الطامعين الأجانب مع تحرير الأراضي والثروات الوطنية من قبضتهم، بينما يتعلق المحور الديمقراطي بتوسيع نطاق الحريات العامة والشخصية بما فيها حقوق التفكير والتعبير والتمكين لأبناء الوطن أنفسهم، ويتعلق المحور الاجتماعي بتوسيع نطاق المساواة في فرص الأخذ والعطاء الاقتصادي بين مختلف أبناء الوطن عبر تضييق التفاوت وتقليل الفوارق وصولاً إلى إقامة العدالة الاجتماعية، وحتى لو صح أن ذلك الانقسام الثلاثي المزمن هو النتيجة الحتمية لاختلاف ترتيب أولويات الأهمية فهو في حد ذاته ليس السبب وراء إعادة إنتاج أزمات الحركة الشيوعية التي يمكن لتنظيماتها الأربعة العمل بشكل منفصل في المساحات البسيطة محل الاختلاف لتعمل معاً في مساحات الاتفاق الواسعة بشكل جبهوي، فالحزب السياسي الحقيقي يستطيع النجاح خلال عمله داخل الجبهات الاستراتيجية أو التكتيكية أو اللحظية بنفس درجة نجاح عمله المستقل، مع إمكانية الاستثمار الحركي الإيجابي للتنوع الثلاثي القائم بين التنظيمات الشيوعية من أجل توسيع نطاق اجتذاب القوى الأخرى باختلاف أولوياتها تبعاً لاتجاهاتها السياسية حول الشيوعيين المصريين ككل عبر منظماتهم الموالية سواء الوطنية أو الديمقراطية أو الاجتماعية!!.
أخر تعديل: 2019-12-17 | 10:37 م