يعقوب ومشالي وما بينهما

 
 
إذا سألت عامة الناس عن أشهر طبيبين على أرض الكنانة في ماضيها وحاضرها وربما مستقبلها حتى إشعار آخر، ستجد الاجابة واحدة عند أكثر الناس، البروفيسور أو السير مجدي يعقوب والدكتور مشالي. الأول طبيب وجراح القلب العالمي الشهير ومؤسس مؤسسة متخصصة في أمراض وأبحاث القلب ومن ضمن مشروعاتها مركز القلب في أسوان والذي يقدم خدماته للمرضى بدون مقابل. الثاني طبيب بسيط وزاهد في الحياة – كما وصف نفسه - ويعالج الفقراء. الاثنان يجتمعان عند الفقراء، وكأن كلمة السر التي ينبغي ترديدها في آذان من يهمهم أو لا يهمهم الأمر هي الفقراء. ويجمعهما أيضًا الاعلام الذي أبدى ولعه الشديد بهذين الرجلين. الأول إنجازاته تتحدث عنه وإنكار فضله جريمة لم تحدث حتى الآن، ومن حاول أن يهاجم الرجل أو ينال منه لسبب أو لآخر هاجمه من باب ديانته فأعطى الفرصة لاعلام مترصد يُشعل أكثر مما يُخمد، ومن نفس الباب سعى البعض إلى مزيد من الزخم حول رجل - لا يشغل نفسه إلا بعمله - وذلك لتسويق مجتمع يسع الجميع ويساوي بين الجميع ويساهم في بنائه الجميع بعيدًا عن خانة الديانة. أما عن الدكتور مشالي فهو طبيب طيب القلب رحل عن دنيانا الأيام الماضية عن عمر يناهز 76 عامًا، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، يتسم ببساطة المظهر وصدق الحديث والأكثر من ذلك يعالج الفقراء وبجنيهات معدودات. نموذج طبيعي جدًا أن يجد طريقه إلى قلوب الناس بينهم الكثير من الفقراء. عرفه الاعلام وأجروا معه لقاءات في عيادة بسيطة للغاية المؤكد أنها تفتقد للأسس العلمية المتعارف عليه في تصميم ونظافة وتنظيم العيادات حتى ولو كانت مهمتها خدمة الفقراء. كثيرون وأكثرهم أطباء لديهم درجة من التحفظ أو عدم الرضا عن الترويج المكثف لهذا النموذج باعتبار أن الدكتور مشالي رحمه الله يفتقد المعرفة ولم يطور نفسه ولم يحصل على أكثر من بكالوريوس في الطب وفي الستينات من القرن الماضي، وبالفعل الطب مهنة قاتلة بدون تطوير، وهذا يعني أن قياس الصورة المنقولة بمعايير علمية وصحية لن يكون في صالح الدكتور مشالي. ورغم أن هناك مايمكن مناقشته في هذا الاتجاه خاصة فيما يتعلق بنوايا الاعلام وطريقته في التناول خاصة في الظروف الحالية، لكن تقدير رجل طيب رحل عن عالمنا وكان داعمًا للفقراء في سنوات زادت فيها معدلات الفقر فمنح الفقراء والمحتاجين وقتًا وجهدًا ورفقًا في حدود إمكاناته وتبعاً لطريقته في الحياة، يفرض علينا تحويل بوصلتنا إلى إتجاه آخر، إتجاه يرتبط بأطباء عظماء يخدمون وطنهم ومجتمعهم والانسانية كلها ولم يضع الاعلام واحدًا منهم في جملة واحدة مفيدة. الأطباء الذين يتحلون بروح الانسانية وفي نفس الوقت يمتلكون نواصي العلم ويسايرون تطوره كثيرون في بر مصر، والأطباء الذين يفعلون الخير لوجه الله كثيرون في بر مصر، والذين أسسوا وأداروا مستوصفات ومراكز علاجية تعالج الفقراء ومحدودي الدخل كثيرون أيضًا في بر مصر. آلاف القصص الملهمة خسرناها وآلاف النماذج العظيمة فقدنا القدرة على إستثمارها قيميًا وإجتماعيًا ولأسباب تتعلق بالمصالح أو الأهواء أو السياسة  أو بطبيعة إعلام يستثمر ويفعل توجهاته ومصالحه بالقصص الاستثنائية التي تعزف على أوتار العاطفة. باختصار: خسارة باهظة يخسرها المجتمع – أي مجتمع - إذا ترك جسده في يد إعلام غير منصف يعبث فيه بلا علم ولا حكمة ولا موضوعية.  

يتسع تفكيرنا..تتسع حياتنا  
أخر تعديل: 2020-08-02 | 02:31 م