لن نصدقك يا ماكرون

 
 
لا يمكننا -بل لا يمكن عاقلاً منصفاً -أن يصدق التصريحات الأخيرة التي أطلقها ماكرون وبعض أعضاء حكومته التي يزعمون فيها أن فرنسا ليست في حرب ضد الإسلام ، وأن حربها إنما هي مع التطرف والإرهاب ، أو كما قال وزير خارجيته في معرض حديثه عن زيارته للقاهرة : ( قد أشرت إلى الاحترام العميق للإسلام .. ما نحاربه هو الإرهاب، إنه اختطاف الدين، إنه التطرف ). أقول : لا يمكننا تصديق مثل تلك الأقاويل ؛ لأن خبرتنا مع أولئك القوم ، ومع أذنابهم في بلادنا ، تدلنا على أنهم إنما يلجؤون لمثل هذه المصطلحات الفضفاضة لخداع البسطاء من المسلمين ، ومحاولة شق الصف الإسلامي بتقسيمه إلى معتدلين ومتطرفين ، ثم الضغط على "المعتدلين" ليكونوا معهم ضد "المتطرفين "، وإلا اتهموا بموالاة المتطرفين والدفاع عنهم .والحال أن هؤلاء العنصريين لا يريدون أن يروا من أهل الإسلام لا متطرفاً ولا معتدلاً ، ولكنها سياسات مرحلية يجسدها القول السائر : أُكلتُ يوم أُكِل الثورُ الأبيض .. وإلا فليقل لنا ماكرون وأتباعه ما هو التطرف من وجهة نظرهم ؟ وبأي مقياس يقيسونه ؟
إن ماكرون يعتبر رغبةَ بعض مسلمي فرنسا في أن تكون لهم خصوصيتهم في الالتزام بأحكام دينهم ،يعتبر ذلك نوعاً من التطرف يسميه بالانفصالية الإسلامية . وقد ذكَّرني ذلك بما كنا نسمعه في ألمانيا – في فترة إقامتي بها- من أن من معايير الجهات الأمنية في تحديد المتطرفين ،أنهم يعتبرون كل مسلم يحرص على تعليم أولاده في المدرسة السعودية التي كانت موجودة آنذاك في ألمانيا ،يعتبرونه متطرفاً ، أو في طريقه إلى أن يكون متطرفاً .
على كل حال نحن الآن لسنا بصدد الدخول في معارك جانبية حول تحرير المقصود من تلك المصطلحات ، وقد أشار فضيلة شيخ الأزهر في حواره مع وزير خارجية فرنسا إلى أننا ليس لدينا وقت ،ولا نملك رفاهية الدخول في جدال ومناقشات حول تلك المصطلحات .
إنما نحن نطلب منكم طلباً محدداً لا يختلف عليه أحد من المسلمين ،لا ممن تسمونهم معتدلين ولا ممن تسمونهم متطرفين ،هو أن توقفوا إساءتكم لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ،الذي هو أحب إلينا من آبائنا وأمهاتنا ،ومن الناس أجمعين .
لكن من الواضح أن المسؤولين الفرنسيين لا يزالون مصرين على الاستمرار في نشر تلك الإساءات . فهذا ما كرون يقول في كلمته التي ألقاها في تأبين المدرس الفرنسي الذي قُتل : ( نحن لن نتخلى أبداً عن الكاريكاتير، ولا الرسوم حتى لو تراجع آخرون ) . وقد اعترف في لقائه مع قناة الجزيرة بأنه قال ذلك بالفعل ، ولكنه مع ذلك زعم- كعادة السياسيين –أن تصريحاته قد حُرِّفت وفُسرت على غير ما أراد . وهذا وزير خارجيته ، يصر على أن تلك الإساءات إنما هي نوع من حرية التعبير ، فإنه حين سئل بحسب ما نشرته جريدة الشروق المصرية بتاريخ 10 / 11/ 2020م : ماذا ستفعل فرنسا لو تكرر نشر نفس الرسوم ؟ أجاب : ( إن هناك مفهوماً خاصاً للحرية في فرنسا ، وعندما يرسم شخص ما شيئاً ،فهو يعبر عن نفسه وليس عن فرنسا ،ولدينا حماية لحرية المعتقد والدين والتعبير ).
ولما سئل : لماذا لا تتحلون بالشجاعة وتقدمون اعتذاراً للعالم الإسلامي ؟ قال : ( نحن لم نخطئ . وكلمات الرئيس ماكرون تم إخراجها من سياقها ) .
إذن هو الإصرار على استعداء ما يقرب من ملياري مسلم ومسلمة ،والاستهانة بمشاعرهم . مع أنهم لا يستطيعون أن يفعلوا ذلك مع اليهود . وقد يكون صحيحاً ما ذكره ماكرون في لقائه مع الجزيرة من أن الصحافة عندهم يمكن أن ترسم كاريكاتيراً يسخر من إله المسيحيين. ولكن ما ذكره عن كونهم يمكن أن يرسموا رسماً يسئ إلى اليهود واليهودية غير صحيح ؛ فإن قوانين تجريم معاداة السامية تمنعهم من ذلك .وفي العام الماضي قامت في فرنسا ضجة كبيرة لمجرد أن بضعة أشخاص من ذوي السترات الصفراء قاموا في شهر فبراير 2019م بشتم الأكاديمي الفرنسي "آلان فينكلفروت" ،بسبب أصوله اليهودية، قائلين له : ( أيها الصهيوني الحقير : ارحل من هنا ) وذلك حين شاهدوه في الشارع أثناء إحدى مظاهراتهم . ويومها قامت قيامة ساسة فرنسا ، وأدانت الطبقة السياسية جمعاء تلك الإهانات "المعادية للسامية"، وذلك بحسب ما نقلته وكالات الأنباء في حينه . بل طالب بعضهم بسنِّ تشريعٍ  يجرم معاداة الصهيونية ، أسوة بمعاداة السامية .
وإذن فإنه لا يسع مسلماً يحب الله ورسولَه إلا أن يعلن أولئك المجرمين بالعداوة والبغضاء ، مع محاولة أن ندفع الأذى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،كلٌّ بقدر جهده وطاقته. ومن ذلك الاستمرار في مقاطعة المنتجات الفرنسية ، ومتابعة تذكير المسلمين بوجوب الغضب للنبي الأكرم ،وعدم التهاون في حقه صلى الله عليه وسلم .
عبد الآخر حماد
عضو رابطة علماء المسلمين
26/ 3/ 1442هـ- 12/ 11/ 2020م
أخر تعديل: 2020-11-13 | 01:50 م
 

جسد بايدن و(جِتة) ترامب

2020-11-14 02:28 م 134 مشاهدة

يحدث في زمن الفوضى !

2020-11-08 05:54 م 110 مشاهدة

لا وصية لوارث

2020-11-20 10:14 م 87 مشاهدة

لن نصدقك يا ماكرون

2020-11-13 01:50 م 61 مشاهدة