عبدالعزيز الشرقاوي

"جيراردي هاوس".. مبنى تاريخي يحتفي به سكان مدينة "جراتس" النمساوية

Girardi2
ADS


يحظى مبنى "جيراردي هاوس" (Girardihaus) بأهمية تاريخية، فتاريخه يعود إلى في منتصف القرن السادس عشر، وقد بني في الأزقة الداخلية بمدينة جراتس _ ثاني أكبر مدن النمسا.

وكان نواة لعملية تنظيم المباني بشكل منظم، وبلا عشوائية في الأحياء والأزقة الداخلية للمدينة، لكي تسهل حركة البشر والدواب المستخدمة في ذلك الوقت بلا عائق أو مانع للحركة الدائبة في أحياء المدينة والقريبة من مركزها الرئيس. 

ولم يكن مجرد مبنى عاديًا، بل له من الأهمية الكبيرة، فبالإضافة إلى قيمته التاريخية والأثرية، له أيضًا قيمة تاريخية أخرى إضافية، حيث أن هذا المنزل هو مسقط رأس الفنان أليكسندر جيرارد، أعظم فنان مسرحي أنجبته النمسا على الإطلاق.

وفي 5 ديسمبر عام 1850، ولد الفنان المسرحي الأشهر بالنمسا وأشهر من غنى الأوبريتات الغنائية الأوبرالية في دار الأوبرا النمساويه بفيينا في هذا المنزل العتيق.

وأسهم هذا الفنان وبصورة كبيرة في ازدهار الأوبريتات الغنائية، وكان يعد حينذاك مغني الأوبيريت الأشهر (تينور) في الأوبرا والمسارح النمساوية والتي كانت تقدم هذا الفن. 

وساعدت موهبته في أن يكون عصره هو العصر الذهبي لهذا الفن الغنائي في البلاد. وتوفي في عام 1918 عن عمر ناهز 68 عامًا، ودفن في مقابر الخالدين بفيينا. 


والمنزل يعتبر تاريخًا حيًا للطراز الباروكي في جراتس، ويعتبر أقدم مبنى معماري في شرق المدينة، وهو نموذج لهذا الفن داخل الأحياء الداخلية، ويعتبره كثير من الخبراء المعماريين وثيقة تاريخية قيمة وواضحة بشكل خاص لتنمية الضواحي الباروكية في وسط مباني تمثل طرازًا مختلفة أخرى من الفن المعماري.
 
وتكمن قيمته في الطراز الداخلي والطابع المهم الذي يعبر عن  حفاظه على الأصول الباروكية لمواد البناء، (الأقببة، والسقف الهرمي الخشبي)، لاسيما في الجزء الأقدم البارز من المبني. 

=بداية الاهتمام بالمبنى=


بداية الاهتمام به كان في 23 يوليو من عام 1987، حيث تم إدراجه كنصب تاريخي، ووضع نصبان تاريخيان علي واجهة المبني، نصب يخص الممثل والمغني اليكسندر جيراردي، والنصب الآخر يخص المبني كله بصفة عامة. 

واستمر بعد ذلك علي وضعه بدون اهتمام  أو ترميم عدة عقود حتى استند مالك المبني إلى تقرير للبدء في هدمه، لكن كثيرين لم يصدقوا التقرير الصادر من إدارة المباني بالمدينة بأن المبني وصل لحاله غير مرضية، وأنه يفتقد إلى القيمة التي تجعل منه تحت وصاية معينة أو اهتمام معين من المدينة. 

وشرع بالفعل في إجراءات الهدم، ولكن جمعيات حفظ التراث والجمعيات الثقافية والفنية والتاريخية قاموا بحملات توعية للفت الانتباه لقيمته التاريخية والفنية، وأقامت أمام المبني العتيق عدة تظاهرات فنية وغنائية عديدة ووقفات احتجاجية لإعلان رفضهم واستيائهم من مالك المبني الذي يريد أن يمحي  قطعة تاريخية وأثرية فريدة من الوجود من داخل مدينتهم وبلا عودة.

فكانت لهذه الحملات مع بعض من أجهزة المدينة المعنية بالآثار والتاريخ والثقافة الفضل أن تتضافر جميع المجهودات للحفاظ على هذا المبنى، وتحركت أجهزة المدينة المعنية بتأييد شعبي جارف وتعاطف مع قيمة الأثر وقيمة مسقط رأس هذا الفنان الكبير  رافضة رفضًا تامًا هدمه. 


فدخلت المدينة بثقلها وبكل أجهزتها المعنية ولجنة من خبراء الحفاظ على المدينة القديمة وممثلي مكتب الآثار الفيدرالي، وقاموا بفحص المبنى بحضور المالك، فوافقت اللجان على الحفاظ على المنزل ووصفته بالثمين تاريخيًا، ووضعوا مفهوم للتراضي، والتعاون مع المالك لتثنيه عن قراره بالهدم والإزالة ودخلت معه في مفاوضات طويلة ومناقشا، حتى تم التوصل إلى اتفاق مبدأي معه بعقد اتفاق وعقد مبرم بأن تكون لمدينة جراتس حق انتفاع للمبنى لمدة35 عامًا، وتقوم بالحفاظ على المبنى ومكوناته الأثرية والفنية.

ويشمل الاتفاق أيضًا، أن تقيم المدينة متحفًا خاصًا بالفنان اليكسندر جيراردي، وقاعات فنية وورش فنية وأماكن للبروفات تخدم بها كلية الفنون التي تبعد عدة أَمتار قليلة عن المبنى التاريخي مع إقامة بعض من الخدمات الترفيهية والتجارية. 

=احتفالية رمزية=
بعد هذا الاتفاق التاريخي بين مدينة جراتس ومالك  Girardihaus، زف البشرى لسكان المدينة عمدتها  Siegfried Nagl عبر إعلان مقتضب علي صفحته الرسمية - للحفاظ على الدواعي الاحترازية والتباعد الاجتماعي من اجل كورونا -.

وقال: "بعد عدة سنوات من المناقشات والمفاوضات ومحادثات عديدة ومحاولات لإنقاذ المبنى العريق، والذي يعد مسقط رأس فنان النمسا العظيم اليكسندر جيراردي، الذي شكلت شخصيته المهمة المشهد الثقافي في جراتس بشكل كبير، الآن فقط أعلن كعمدة للمدينة أننا قد توصلنا مالك المنزل وبعد عناء على اتفاق تاريخي يضمن للجانبين حقوقه المعنية، وحرصًا من الطرفين على إثراء الحياة الثقافية والتاريخية لمدينتنا بأن نسهم في إلقاء الضوء علي هذه الشخصيات العظيمة وأماكن قد شكلت كثيرًا من وجدانهم وإبداعاتهم". 

وأضاف: "ولهذا فإننا نؤكد على هذه الرابطة من خلال جعل أماكن معيشتهم وعملهم مرئية.. ولقد قمنا بعمل بضعة متاحف لشخصيات مهمة من مدينتنا العزيزة جراتس. وهذه الخطوة هي جزء من النهج الثقافي الذي تنتهجه جراتس لإحياء ذكري رموزها وفنانيها لكي نساهم في إعادة كل الفنانين العظام والمبدعين إلى ذاكرة شعب جراتس. ونحن الآن وعلى نفس النهج نضع متحف (جيراردي) علي المسار الصحيح".


أخر تعديل: 2020-12-25 | 03:13 م
 
ADS